تعتبر الكتابة الرصينة مما يطمح اليه كثير من الأدباء والمفكرين ...إلا أنه رغم بذل بعض من المجهود إلا أن معظم الكتابات لا ترقى الى المستوى خاصة من الناحية اللغوية والنظم وإن كانت الفكرة موجودة في الطريق يعرفها الخاصة والعامة كما ذهب الى ذلك أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ...وأمام هذا التدفق المبالغ فيه من الكتابات الصحفية المتنوعة المشارب والاتجاهات وأمام تناسل القنوات الفضائية المطرد والهجين ؛ومع ثورة الشبكة العنكبوتية التي تتيح لكل فرد أن يعبر عن رأيه في موقع أو مدونة أو منتدى...أصبح الهم الوحيد هو إيصال الفكرة والمعنى الى المتلقي كيفما كان التعبير ؛ وأغفل في أحيان كثيرة الاهتمام بالتعبير واختيار المفردات المناسبة للمقام ؛ فاستعملت مفردة مكان مفردة وتم الخلط في أحيان كثيرة وأصبحت كثير من التعابير و المفردات من الأخطاء الشائعة التي لا يمكن الاستغناء عنها حتى إن توظيف الصحيح يصبح شاذا ومدعاة للاستغراب والاحتجاج.والاطلاع على المعاجم والكتب الغوية العربية المتنوعة يتيح لنا تلمس مكامن الخطأ وتقويم كبير زلاتنا؛ولعل من الكتب اللغوية التي تنبهت الى هذا الأمر وعرفت منذ زمن أن خطر الانحراف اللغوي قائم لا محالة كتاب:"فقه اللغة وأسرار العربية"لابي منصور الثعالبي (350-430 هـ) يهتم في هذا الكتاب بجمع المفردات اللغوية التي تستعمل في موضوع واحد ويأتي بالمعنى الدقيق الذي تدل عبيه المفردة ؛ وذلك قصد الاستعمال السليم والمضبوط ولتتأتى الدلالة البلاغية التي و لاشك لها ارتباط متين بالانتقاء اللغوي للمفردة المعينة ففرق بين أن يقال:"والصبح إذا تنفس" و أن نقول : والصبح إذا استنشق...فاللفظة تؤدي معنيين : لغوي و بلاغي والارتباط بيِِِِِن . ويتكون الكتاب من ثلاثين بابا هذا ترتيبها: الباب الأول: في الكلِّيات، وفيه أربعة عشر فصلا. الباب الثاني: في التنزيل والتمثيل، وفيه خمسة فصول. الباب الثالث: في الأشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها، وفيه ثلاثة فصول. الباب الرابع: في أوائل الأشياء وأواخرها، وفيه ثلاثة فصول. الباب الخامس: في صغار الأشياء وكبارها وعظامها وضخامها، وفيه عشرة فصول. الباب السادس: في الطول والقِصر، وفيه أربعة فصول. الباب السابع: في اليبس واللين والرطوبة، وفيه أربعة فصول. الباب الثامن: في الشدَّة والشديد من الأشياء، وفيه أربعة فصول. الباب التاسع: في الكثرة والقلَّة، وفيه ثمانية فصول. الباب العاشر: في سائر الأوصاف والأحوال المتضادّة، وفيه سبة وثلاثون فصلا. الباب الحادي عشر: في المَلء والامتلاء والصفوة والخلاء، وفيه عشرة فصول. الباب الثاني عشر: في الشيء بين الشيئين، وفيه ستة فصول. الباب الثالث عشر: في ضروب الألوان والآثار، وفيه تسعة وعشرون فصلا. الباب الرابع عشر: في أنان الناس والدواب وتنقل الحالات بها، وفيه سبعة عشر فصلا. الباب الخامس عشر: في الأصول والأعضاء والرؤوس والأطراف وأوصافها، وما يتولد منها ويتصل بها ويذكر منها، وفيه ستة وستون فصلا. الباب السادس عشر: في الأمراض والأدواء وما يتلوها وما يتعلق بها، وفيه أربعة وعشرون فصلا. الباب السابع عشر: في ضروب الحيوانات وأوصافها، وفيه تسعة وثلاثون فصلا. الباب الثامن عشر: في الأحوال والأفعال الحيوانية، وفيه سبعة وعشرون فصلا. الباب التاسع عشر: في الحركات والأشكال والهيئات وضروب الضَّرب والرمي، وفيه أربعون فصلا. الباب العشرون: في الأصوات وحكاياتها، وفيه ثلاثة وعشرون فصلا. الباب الحادي والعشرون: في الجماعات، وفيه أربعة عشر فصلا. الباب الثاني والعشرون: في القطع والانقطاع والقِطَع وما يقاربها من الشق والكسر وما يتصل بهما، وفيه سبعة وعشرون فصلا. الباب الثالث والعشرون: في اللباس وما يتصل به والسلاح وما ينضاف إليه وسائر الأدوات والآلات وما يأخذ مأخذها، وفيه تسعة وأربعون فصلا. الباب الرابع والعشرون: في الأطعمة والأشربة وما يناسبها، وفيه سبعة عشر فصلا. الباب الخامس والعشرون: في الآثار العُلويَّة وما يتلو الأمطار من ذكر المياه وأماكنها، وفيه ثمانية عشر فصلا. الباب السادس والعشرون: في الأرضين والرمال والجبال والأماكن والمواضع وما يتَّصل بها، وفيه سبعة عشر فصلا. الباب السابع والعشرون: في الحجارة، وفيه ثلاثة فصول. الباب الثامن والعشرون: في النبت والزرع والنخيل، وفيه سبعة فصول. الباب التاسع والعشرون: في ما يجري مجرى الموازنة بين العربية والفارسية، وفيه خمسة فصول. الباب الثلاثون: في فنةن مختلفة الترتيب من الأسماء والأفعال والأوصاف، وفيه تسعة وعشرون فصلا. وأورد هنا من كتاب :"فقه اللغة وأسرار العربية" نماذج من الكلمات التي نستعملها استعمالا في غير موضعه من ذلك على سبيل التمثيل: لا يُقالُ كأسٌ إلاّ إذا كان فيها شَرَاب ، وإلا فهي زُجَاجة ولا يُقَالُ مائدةٌ إلاّ إذا كان عليها طَعَامٌ ، و إلاّ فهي خِوَان لا يُقالُ قلَمٌ إلاّ إذا كانَ مبريًّا، وإلاّ فهو أُنْبوبَة ولا يُقالُ خاتَمٌ إلاّ إذا كانَ فيه فَصّ ، وإلاّ فَهُوَ فَتْخَةٌ و لا يُقالُ لحم قديدٌ إلاّ إذا كان مُعالجاً بتوابِلَ ، وإلاّ فهو طَبِيخٌ و لا يُقالُ ثَرًى إلاّ إذا كان نَدِيًّا ، وإلاّ فهو تُراب لا يُقالُ للشَّمسِ الغَزَالةُ إلاّعِنْد ارْتِفاعِ النَهارِ قَرْنُ الشَّمْسِ أوَّلُها غُزَالَةُ الرِّيحِ أوَّلُها رَيِّقُ المطَرِ أوَّلُ شُؤبُوبِهِ الصُّبْحُ أوَّلُ النَّهارِ الْوَسْمِيُّ أوَّلُ المَطرِ الغَسَقُ أوَّلُ اللَّيْلِ وكثيرا ما نستعمل مفردات بكثرة ونحن نجهل أصلها اللغوي من ذلك مثلا كلمة الغوغاء التي نطلقها على عامة الناس وأصلها الجراد .جاء في "القاموس المحيط"للفيروزأبادي في باب الهمزة: والغوغاءُ‏:‏ الجَرادُ بعدَ ان يَنْبُتَ جَناحُه، او اذا انْسَلَخَ من الاَلوانِ وصارَ الى الحُمْرَةِ، وشيءٌ يُشْبِهُ البَعُوضَ ولا يَعَضُّ لضَعفِهِ، وبه سُمِّي الغوغاء من الناس. الغَوغاءُ صِغَارُ الجَرَادِ القُلّةُ الجَرَّةُ الكَبيرةُ الخِنْجَرُ السِّكِّينُ الكَبِيرُ الشَّارِعُ الطَّرِيقُ العظيمُ وإن كانت شوارعنا ليست بالطرق العظيمة .فتسميتها خاطئة وجب ان نبحث لها عن تسميات جديدة أو أن نصلحها لتناسب المعنى اللغوي وهو أجدى وأنفع. السُّورُ الحائِطُ العَظِيمُ الصَّخرَةُ الحَجَرُ العَظِيمُ القِرْمِيدُ الآجُرَّةُ العَظِيمةُ القَيْرَوانُ مُعْظَمُ العَسْكَرِ ومُعْظَمُ القافِلَةِ (وهو مُعَرَّبٌ عن كارَوَان). الثُّعبانُ الحَيَّةُ العَظِيمَةُ المُرَاهِقُ مِنَ الغِلْمانِ بمَنْزِلَةِ المُعْصِرِ مِنَ الجَوَارِي ونحن كثيرا ما نستعمل كلمة المراهق للذكر والانثى على حد التساوي العَمَى في العَينِ مثلُ الْعَمَهِ في الرَّأي الْجَبِيزُ الخُبْزُ اليَابِسُ وقد اخترت هنا هذه المفردات على سبيل التمثيل ؛والكتاب بالغ الغنى والعودة اليه أنفع لتقويم معارفنا اللغوية وإغنائها . إنجاز:عبدالرحمان شباب.